آخر الأخبار

الجمعة، 16 فبراير 2018

حلم يرتدي ملابس كابوس


أشعل شمعة، وامسك كوب الشاي، واهمَّ ان يجلب اليه كتاب الاقتصاد، ولكنه ارجع ظهره قليلاً قبل ان يمد يده الى الطاولة، شعر بانه بحاجة الى ان يجعل رأسه يتدلى من خلف الوسادة، مرت لحظات على ذلك، حينما طَرق أحدهم الباب عليه في منتصف الليل البارد.
فتح الباب، وجد طفلاً وضعوه في مهدٍ ممزق، ومعه حجرٌ ثمين، كان شكله غريب ومميز، ومعه رسالة في داخلها رسالة، وصرة اموال، كانت الرسالة تبث عطراً جميلاً، وكانت اوراقها مبللة بالدموع، ادخل الطفل واقترب من الشمعة، وقرأ الرسالة الاولى.

الرسالة الأولى

“شكراً لك على صنيعك مقدماً، وكل ما اتمناه ان ترعى ولدي، وتحتفظ بالحجرة الكريمة، وانا اعدك أنك لن تشعر بالفقر، فقط اهتم بابني حتى يبلغ العشرين عاماً، وسلمه الحجرة والرسالة الاخرى”

وهكذا مرت الأعوام، وهو يعيش في نعيم، كانت كلَ يومٍ تُرمى في غرفته صرة أموال، كانت تكفيه وتكفي الطفل، حتى بلغ الولد المجهول العشرين عاماً، وهنا سرد القصة لهذا الشاب، واعطاه الحجرة الثمينة، وسلمه الرسالة الاخرى، فلما قرأها قرر الرحيل بحثاً عن سر وجوده.
غاب اياماً واسابيع، حتى طُرق الباب مرةً أخرى في منتصف الليل، لقد كانت عربةً فخمةً جاءت لتأخذه، الى قصرٍ كبير، هناك وجد الشاب الذي رباه، لقد كان وريثاً لاحد الامراء، ابعدته امه عن الانظار حتى لا يقتل وتسرق ثروته الكبيرة.
اشترط الشاب على امه ان تبقيه الى قربه، حتى أتمنه على جميع اسراره وامواله، فتخلى الرجل عن غرفته الصغيرة، ذات الباب والشباك الواحد، لم تكن سوى خربة، وأصبح اليوم يسكن القصور، ويمتلك الأراضي والبيوت الفخمة والفاخرة بفضل تربيته لهذا المولود المبارك.

تحول المربي لعدو

لمعان الذهب، اغرى عيني صديقنا الفقير، وبعض حاشية الأمير الشاب كانوا يلعبون دور الشيطان الماكر، جمال احدى المقربات من الام، سلب عقله وتفكيره، وتحول من مربي فاضل، الى عدوٍ يحوك المؤامرات، ويدس السم بالعسل، كان قد أصبح عبداً مطيعاً لتلك الشقراء.
حتى ذات يوم وبعد ان سرق الكثير من الأموال، وصنع للشاب الأمير الكثير من المشاكل، واشعره بالحزن مراراً وتكراراً، وأفقده الامل، وجعله يرتكب الأخطاء ويطرد أقرب الناس اليه، ويشك ويظن بالآخرين سوءً، واوقعه في شرك الفتنة، ولكن شاءت الصدفة ان تفضح كل هذه الخطط.
سمع الشاب كل كلام مربيه مع تلك الشقراء الخبيثة، وعلم انه كان في مصيدتهما، لم يتمالك نفسه، شعر بالخنجر المسموم، لقد كان من أقرب الناس اليه، واكثرهم حباً الى قلبه، لكن كل شيءٍ جميل قد مات، فلم تعد الايام الجميلة في الغرفة الصغيرة تؤثر على قراره الذي سيتخذه.

كما جاء به في الليل، اخرجه من منزله بالليل، وكما جاء بلا أموال ولا أملاك، اخرجه ايضاً، صفر اليدين، لا يمتلك الا تلك الغرفة القديمة، عاد اليها خائباً قد خسر كل شيء، تعب العشرين عاماً من التربية، وقلب الشاب الذي تعلق به واعتبره مثل ابيه او أكثر.

عودة المربي فقيرا

وجد كل ما تركه في تلك الليلة في مكانه، أشعل الشمعة، ومسك كوب الشاي، واهم ان يجلب اليه كتاب الاقتصاد، ولكنه ارجع ظهره قليلاً قبل ان يمد يده الى الطاولة، شعر بانه بحاجة الى ان يجعل رأسه يتدلى من خلف الوسادة، لتمطر بغزارة ويستيقظ من غفوته على صوت الرعد، ليجد نفسه كان في حلمٍ اشبه بالكابوس.

وارتشف رشفة من كوب الشاي، وهو يفكر بالحلم، وأغمض عينيه قليلاً، وطُرق الباب، ومن ذا يطرق الباب على رجلٍ فقير يسكن غرفة ببابٍ وشباكٍ واحد في منتصف الليل البارد؟ فتح الباب فوجد طفلاً وضعوه في مهدٍ ممزق..

وتكررت القصة

من جديد، واستيقظ مرة أخرى على صوت الرعد، وهو نادمٌ على ما قد فعله في الحلم، وهكذا تكررت الاحداث، لم يتعلم من أحلامه ابداً، حتى كانت غفوته الأخيرة، حيث عاد الكرة، ولكن هذه المرة، كان الشاب قد ملَّ من تكرار نفس العقوبة معه، لذا قرر ان لا يعود بمربيه الى غرفته العفنة، بل ينقله الى مثواه الأخير، ليضعه في تابوتٍ خشبي، ويدفنه حياً، وينهي هذا الحلم الذي يرتدي ملابس الكابوس الى الابد.

الفرصة لا تعود مرتين الا لمن كان محظوظاً، لذلك استغل الفرصة، ان عادت اليك، صحح ما أخطأت به في تجربتك الأولى، اترك غرورك وعنادك، حاول ان تعيد الكرة دون ان يتلاعب بك الشيطان، حاول ان تصبح أفضل، حاول ان تكون الرابح إذا حالفك الحظ، وكن مع الله يكن الله معك.
والحمد لله رب العالمين

الخميس، 8 فبراير 2018

القلم العجوز


على سطح المكتب وضع أحد الكتاب الواعدين قلمه، وكان بجواره قلم حبر مذهب، لم يُكتب به منذ زمن بعيد، لم يتكلم هذا القلم العجوز مع أحدٍ من قبل، لقد مرت سنواتٍ على اخر حديثٍ جرى بينه وبين قلمٍ اخر، كان في وقتها قلم جاف، كان يثرثر كثيراً وكلامه غير مترابط، يتكلم عن ارقام ومشاكل ومؤامرات، لم يكن حديثه الا ضجيج، ومن حينها لم يتسنى له التكلم، كان قد تمنى ان يعود ذلك القلم بضوضائه ليخلصه من وحدته الطويلة.

حوار مع القلم اليافع

حانت الفرصة اخيراً لفتح الحوار مع القلم الجديد، ولكنه عجز عن الكلام، وكان بانتظار ان يبدأ القلم اليافع الحديث، وبينما هو ينتظر، سمعه يردد عبارات غزل، قاده الفضول الى الاستماع اليها، كانت:

” حبيبتي، نهاري مظلمٌ ان لم تشرقي فيه، وكل الطعامِ ترابٌ، مالم تطبخيه وتقدميه لي، اشعرُ أنى يتيمٌ من غيركِ، وساعاتُ نهاري لا تنتهي ان فارقتني”.

فقال له القلم العجوز: هل انت من كتب هذه الكلمات؟

فأجاب القلم اليافع: نعم كتبتها، ولكني لست من الّفها، ما انا الا رسول، يترجم وحي الكلمات، رسالتي لم تكن في يدِ طالبٍ في المدرسة، ولم تكن بيدِ طفلٍ يرسم على الجدران، بل كانت بيدِ حبيبٍ يكتبُ في حبيبته، اسطراً من العشق، وابياتاً من الغرام، حتى ظننتُ أني اكتبُ سِفرَ الخلودِ من العهدِ القديم، او ايةٌ من آياتِ الكتابِ الكريم.

كلمات القلم العجوز عن الحب

كانت كلمات القلم اليافع قد اسكتت القلم العجوز، لم ينطق باي كلمة، سكت وهو يبتسم، وكان القلم اليافع قد تعجب من هذا السكوت وهذه الابتسامة، ولم يستطع الصبر ليسأله عن السبب، ولكن القلم العجوز تكلم فجأة وقال:

أتظن بانك رسول الكلمات؟ هل تعتقد بان صاحبك عاشقٌ ولهان؟ هل سمعت ما كتبته لتلك السمراء المعلقة صورتها في منتصف الجدار؟ كان الواقف الى جانبها من الّف هذه العبارات:
“حبيبتي، ومعشوقتي، وملِكتي ومليكتي، انتِ نهاري لأنكِ شمسي وضيائي، انتِ قمري وليلي وكل حياتي، انتِ كلُ ما انا عليه، وما انا صائرٌ اليه، انتِ عقلي، وانتِ قلبي، وانتِ جنتي في محياي وعند موتي، وكل الوجود اراه فيكِ، وقلبكِ هو الفردوس، وانا اسكن في هذه الفردوس، انتِ نجمةٌ ولستِ نجمة، بين ألف نجمةٍ ونجمة، لم تستطع ايُ نجمةٍ من ان تحجب نوركِ، وكأن ضيائكِ هو سوركِ، وكأن سوركِ ذراعٌ غطى جميع الأفق الطويل، واشراقتكِ كانت الاكليل”
أيها القلم اليافع، لقد ترجمتُ صمتَ العقول، فانا اجيد لغة الوحي، وأبدعُ في استخراج الاحرف والكلمات، من آلاف المعاني المبعثرة في صندوق الحكايات القديمة، انا مبدعٌ في ان أكون قلماً جسوراً.
هل تعرف كيف كان صاحبي يتغزل؟ وكيف كان فنجان القهوة يتمايل مع احاسيسه الشفافة؟ كان يترك في الشباك فتحة صغيرة، ليسمح للهواء بمراقصة الستارة، كان كل شيء في الغرفة يسكن الى كلماته العذبة.

تحير القلم اليافع كثيراً، ثم قال:

أخبرني مقطع اخر من كلماته، واعدك أني سأصمت الى الابد، اقرأ لي فكلماتك ليست كما عهدت ان اكتب او ان اسمع، ووافق القلم العجوز على ذلك، ثم قال له اسمع اذاً:

“قلبي البارد، لا يستطيع أي بركان ملتهب ان يذيب جليده المتصلب، اشد برودة من القطبين، حتى ان عينيّ امتنعتا عن البكاء، حيث لا دموع لتذرف في هذا الجو القاسي، وفي هذا الفراغ الكوني العظيم، اشتعلت شمعة صغيرة، كانت شعلتها تكبر وتصغر مع نبضات قلب تلك السمراء الطيبة، شعلة لا تتعدى حجمها حبة الحمص، او سواد عين عصفورة صغيرة، ترفرف بجناحيها عند عدن الخلود، شعلة اذابت هذا الجبروت، اسرت ذلك المارد العملاق، كل هذا الفضاء الكبير، استطاعت تلك الشمعة ان تعيد العفريت الى مصباحه من جديد، شعرت بطفولتي تعود، شعرت بحنان امي يحتضن جسمي الضعيف، شعرت بكلمات ابي وهو يشجعني على النهوض، شعرت بإخوتي وهم يقفون معي في السراء والضراء، شعرت بالأصدقاء، شعرت بان لا شيء في الحياة يستطيع ان يصيبني بمكروه، ما دام قلب معشوقتي ينبض في قلبي الذي كان قبلها متجمد.”
وكما وعد القلم اليافع، سكت عن الكلام، حيث لم يجد أي عباراتٍ تستطيعُ الصمودَ امام أمواجِ بحرِ العشقِ اللامتناهي، ولم يجد فُلكاً يستطيع مجاراةَ محيط الحب، ليصل الى ساحلِ قارة السكون.

الاثنين، 29 يناير 2018

لغز جميلة

أحمد، شاب وسيم وغني وذكي،

لكنه رغم فطنته وعقله الراجح إلا أنه لم يكن حكيماً بما يكفي، ولكنه كان يتصف بكونه لا يخالف عهداً او كلمةً قطعها ابداً، ولا ينقض بيعة أو يحنث بالقسم.
كانت لأحمد تجارة جيدة في مدينته، وفي إحدى الأيام وهو يتفقد السوق والبضائع رأى شابة جميلة وكان اسمها جميلة، كانت لها ابتسامة ساحرة، وأخلاقها كخلقها جميلة ايضاً، أحمد لم يستطع أن يشح بناظريه عنها، ووقع في حبها، كانت أول فتاة يقع أمام جمالها.
جميلة، كانت تمتلك الحكمة التي يفقدها أحمد، ولكنها كانت قد اشترطت على من يتقدم إليها من الرجال، أن يقبلوا ويتعهدوا بالالتزام بتبعات عدم إنجازهم للشرط، وإلا فإنهم سيتعهدون بقبول إكمال حياتهم معها بزواج مع وقف التنفيذ، وأيضاً أن يقسموا على أن لا يتزوجوا أو يقاربوا أي امرأة أخرى ابداً.
كان الشرط وعقوباته صعبة وليست محلاً للمجازفة، ولم تكن غنية ولا حورية من الجنة حتى يقبل بها الرجال، لذلك لم يوافق أي أحد على ذلك، الا واحد فقط وهو احمد.
أحمد قبل بالشرط، وتعهد بالتنفيذ، وبعد أن تم الاتفاق، أعلنت عن شرطها الغريب، وكان على أحمد أن يجيب عنه خلال خمسة عشر يوماً بعد زفافه، وإلا يطبق ما تعهد به لها، وكان الشرط هو سؤال بسيط وصعب في نفس الوقت.
وقف أحمد أمام جميلة عند باب الدار وقد انتهت مراسم الزفاف، وحانت اللحظة الحاسمة، فسألت جميلة سؤالها المحير، وقالت له: “أحمد، أين العقل؟!”.
انقضت المدة، لم تفلح كل المحاولات والأجوبة، لف المدينة ولا أحد أجاب بالصحيح، قرر أحمد أن يخرج بالتجارة وهناك في القرى الأخرى يبحث عن جواب، وبعد أن جهزت القافلة وتهيأت للمسير، ودع أحمد زوجته جميلة، ولكنها وقبل أن يسافر علقت حول عنقه قلادة فيها مفتاح البيت، وقالت له: “اعدك أني لن أغير قفل الدار ولا لونه حتى تعود ولو تطلب العمر كله”.

سافر أحمد في درب التجارة الطويل

ودخلوا إلى الصحراء الكبيرة، وكان الدليل قد احتاج إلى مرتفع ليعرف أحوال الطقس، وبينما هو واقف على حافة إحدى الصخور، عند شبه هضبة بارزة مع صخورها المبعثرة وسط الرمال، تحركت تلك الصخرة ووقع من الشاهق وتسببت له الإصابة بالوفاة.
السيارة بلا دليل وسط الفراغ، لا أحد يعرف الطريق، والكل بدأ يقود مجموعة نحو طريق هو يراه صحيحاً، وأحمد بين هذه الفوضى لم يكن قادر على أن يتخذ أي قرار، وانتهى الحال إلى تقسم القافلة وكل واحدة ذهبت باتجاه، لم تمر إلا ساعات، وحينها هبت عاصفة رملية شديدة، فقد الجميع تركيزهم ورؤيتهم، عصف الريح دفع كل شيء إلى المجهول، وما انتهت العاصفة الا وأحمد وحيداً في وسط العدم، لا قافلة ولا أموال ولا زاد.

قرر أن يتبع ضوء إحدى نجمات السماء، كانت بالنسبة له واضحة ولا تتداخل مع باقي النجوم الأخرى، نجمة مميزة ومنقذة، سار كثيراً حتى تراءت أمام عينيه لمعة نيران، تحرك نحوها وكانت خيمة لحراس إحدى قبائل البدو السيارة.
حملوه إلى إحدى المضايف، كانت لشيخ كريم وسخي، وكان مضيفه معروفاً باجتماع الوجهاء والعلماء وأصحاب الخبرة والعقل والحكمة، كان مضيفاً عامراً كبيراً لا يخلوا من الضيوف في كل الأحوال والظروف، كان الشيخ اسمه حسن، استقبله وعالجه، وأضافه خير ضيافة، وبعد أيام من تحسن صحة أحمد، عرض عليه شيخ حسن ان يحدد مصيره، فأما ان يقبل ببعض المال ورحلة عودة إلى قريته البعيدة، أو أن يبقى معزز ومكرم ولكن بشرط أن يحصل على عمل ليقتات منه.
فكر أحمد وقرر أن يبقى، لأنه لم يحصل على الإجابة التي ينتظرها، فطلب من الشيخ أن يحصل له على عمل قريب من مضيفه ليسمع لكلام الحكماء عسى أن يحظى بفرصة لمعرفة إجابة السؤال الذي حرمه من زوجته، وكانت الوظيفة الوحيدة التي تعطيه هذه الفرصة هي أن يعمل معداً للقهوة، ولكن يشترط بهذه المهنة أمر مهم، وهو إلا يتحدث إلا أن طلب منه ذلك.
وافق أحمد وعمل بإعداد القهوة للضيوف، وكان يسمع كل الحكم والمواعظ في تلك الخيمة الكبيرة، ولكنه حرم من طرح أي سؤال، مرت الأيام، والشيخ اعتبر أحمد كابنه، كان يرعاه ويعطيه أجرته، ولكن أحمد كان يرفض أخذها، وشيخ حسن كان يتاجر بها ويزيدها دون علمه، لأنه أرادها أن تكون هدية له حينما يعرف إجابة السؤال الذي تغرب من اجل معرفته.
لم يسأل احمد شيخ حسن عن سؤاله قط، وكذلك شيخ حسن لم يسأل أحمد عنه قط، لا أحد يعرف السبب، ولكنهما لم يتكلما عن الموضوع رغم المدة الطويلة التي مرت عليهما معاً، لقد مرت خمسة عشر عاماً على خروج أحمد من قريته ووداع زوجته.

وفي إحدى الليالي الباردة والرطبة

وبعد أن غادر الضيوف، شعر الشيخ بالتعب وأحب أن ينام في المضيف، وفي تلك الليلة كانت خزنة الأموال التي يحتفظ بها الشيخ بأمواله موجودة في المضيف، وكان أحمد يعلم بذلك بالطبع، لأنه كان مؤتمن من قبل شيخ حسن.
وبينما كان شيخ حسن نائم، توجهت إليه أفعى سامة، سمع أحمد صوت فحيحها، وتوجه بسرعة إلى العمود بقرب شيخ حسن حيث علق عليه الشيخ سيفه، فجرد أحمد السيف وقتل الأفعى قبل أن تصل إلى الشيخ، حملها ودفنها خلف المضيف في الرمل، ولما رجع حاول أن يعيد السيف إلى غمده، ولكن نصل السيف أصدر ضجيجاً بسبب الرمل والدم، فاستيقظ الشيخ على الصوت، ارتبك أحمد وخجل بسبب إيقاظه للشيخ، فاحتضن السيف وأخفاه بملابسه، وتصنع صوت الشخير والنوم العميق.
في الصباح وجد أحمد الشيخ قد استفاق مبكراً وحوله رجال عشيرته ووجهائها، وكانت تعابير وجهه مكفهرة، والغضب بائن في عينيه، وبمجرد أن رأى أحمد وبدون أي مقدمات، قال له بصوتٍ عالٍ: “هذه أموالك التي ادخرتها لك وهذه الأغنام ايضاً لك خذها وارحل ولا تعد ابداً”.
كانت كلمات شيخ حسن كالسكين تذبح بأحمد، لم يشأ أحمد أن يغضب الشخص الذي رعاه واعتبره ابنه، ولكنه أراد أن يعرف السبب ويرحل بعدها على الفور، وبعد إصرار أحمد على الشيخ، أخبره السبب، كان يظن أن أحمد تلك الليلة كان يحاول أن يقتل الشيخ ويسرق أمواله، ولما استفاق من نومه أخفى السيف بين ثيابه.
أحمد أخذ الشيخ إلى مكان قتل الأفعى، وأراه مكان الضربة وأثر الدم على الفراش، ومن ثم أخذه إلى خلف المضيف ونبش مكان الأفعى، وبعدها أخرج السيف وأراه أثر الدم والرمل، شرح له السبب، وأنه أراد ان يبر به لا أكثر ولا أقل.
أراد احمد أن يرحل بعد أن خاب أمله، خسر زوجته وخسر الرجل الصالح الذي رعاه، وراحت السنوات سدى، ولكن الشيخ استوقفه، واعتذر منه، وقال: “يا بني أنا آسف كان عليَ أن أتحقق واصبر قبل أن أقرر، صحيح يا بني كما قالوا، إن العقل في الصبر”.
“العقل أين؟؟؟؟!!! العقل أين؟؟؟؟!!! في الصبر!!!!!!!”، هكذا كانت ردة فعل أحمد، كان قد أمضى خمسة عشر عاماً مع شيخ حسن وهو يعرف الإجابة، كانت صدمة كبيرة أيضاً على شيخ حسن، لو سئل أحدهما الآخر منذ البداية، لما طال الأمر كثيراً.

توادعا، أحمد وشيخ حسن

وحمل أحمد أمواله والهدايا معه متوجهاً إلى قريته، كانت لحظة صعبة على كليهما، ولكنها كانت مفرحة لأحمد، لأنه سيعود إلى جميلة.
وصل أحمد إلى قريته أخيراً، كان الليل قد حل، سار في شوارع القرية، تغيرت عليه نوعاً ما، إلا أن طريق الدار مازال في مخيلته، ووقف عند باب الدار، كما وعدته زوجته جميلة، لم تغير لونه، جرب أن يفتحه بالمفتاح الذي قلدته إياه قبل سفره، فإذا بالباب يفتح، توجه نحو الغرفة، فإذا بجميلة نائمة وإلى جانبها صبي هيئته كهيئة الرجال، هنا دارت في مخيلة أحمد أن جميلة أرسلته لتخونه مع غيره، وظلت الأفكار تشاغب في رأس أحمد، ومد يده على سيفه، أراد ان يجرده، ولكنه تذكر ما حصل له مع الشيخ وأن العقل في الصبر. فقرر أن يخرج وينتظر الصباح ليعرف الحقيقة.

في الصباح طرق أحمد الباب

فتحت جميلة الباب، وعانقته واستقبلته استقبالاً حاراً، وأبدت ندمها لما فعلت ولما اشترطت، ولكن أحمد لم يعر لأي شيء اهتمام، كانت عيناه تبحث عن الفتى وعن الإجابة، فخرج الشاب من الغرفة ووقف دون حراك، ينظر باستغراب إلى جميلة وهي تعانق أحمد، كلاهما لم ينطق بشيء، وكانا ينظران إلى جميلة، لأنها الوحيدة من يمتلك الجواب.
تبسمت جميلة وقالت: “أحمد هذا ابنك علي، علي سلم على أبيك أحمد”، علي عمره خمسة عشر عاماً، لما سافر أحمد كانت جميلة حامل بابنه علي، هنا روى لها أحمد ما حصل، وكيف أنه أراد ان يقتلهما معاً، ولكن ما منعه، أنه علم أخيراً أن العقل في الصبر.

الجمعة، 12 يناير 2018

نظرة صبر

على إحدى قمم الجبال

كان بطل القصة قد اعتلى إحدى أعلى الصخور فوق قمة الجبل، وهو فاتحٌ جناحيه كمن يريد أن يعانق محبوبه الغائب منذ الأزل، كان يرفرف بهما كأنهما راية بيد جندي وصل إلى السارية، حيث سيرفع علم الانتصار.
في تلك الحال كانت معدته تخرج صوت الصفير، ككهفٍ فارغ تتجول الرياح فيه وتلعب الغميضة، وكان الصوت يزداد قوة، كبركانٍ ينتظر الفرصة حتى يثور، ومع مرور الوقت أخذ بطلنا يحفر بمخالبه على الصخور من الألم، الجوع بدأ ينخر في صبره كأنه دابة الأرض، وعيناه لا تنفك تراقب الصخور والعشب والأشجار، كان يبحث عن الطريدة.

من بين حطام بعض الأشجار

كانت أذنا ذلك الأرنب قد ظهرت، وكأنهما إصبعي مقاتل يعلن للعالم أنه الفائز، وهذه الأذنان جذبتا نسرنا المرابط على الصخرة، فقدم رأسه نحو الأمام وأرخى إحدى يديه، ودفع بجناحيه إلى الخلف، ولما قفز الأرنب وظهر بشكل واضح، وحانت الفرصة للنسر بالانقضاض، لم يتحرك ساكناً من مكانه!!

هل الجوع أثر على حركته؟

وهل أصبح غير قادر على المناورة والهجوم؟ هل فقد الأمل بأن يحلق من جديد ويطارد فريسته ليحظى بوجبة لحم دسمة؟ أم أنه يخطط لأمر آخر؟
ومرت أيام على هذه الحال، والأرنب الوحيد ظهرت معه أرانب أخرى، والعشب أخذ يكثر، والشمس أصبحت تأتي مبكراً، لتشرق على حافات الغابة الرمادية، لتحولها إلى خضراء مشعة بالطاقة، وفي نهاية إحدى الليالي الطويلة على نسرنا الجائع، وقبل أن تشرق الشمس، وعلى غير العادة نسرنا الرمادي فتح جناحيه من جديد وبدأ يضرب بهما كمشجعٍ متفانٍ في تشجيع فريقه وهو يصفق بحفاوة ليرمي الغبار من على ظهره، وينتظر اللحظة التي يسطع فيها ضوء النهار، ليلامس جناحيه السوداوين اللامعين ومنقاره الذهبي، وهو يحلق فوق الجبال والغابات، ليعلن عن حاجته إلى تناول الطعام، ليعلن بأنه قادم للصيد من جديد.

الأرنب الوحيد لم يعد كذلك

أصبحت في الغابة عشرات الأرانب، كانت حكمة النسر في الصبر، فلو اصطاد الأرنب الوحيد اليوم فإنه لن يصطاد شيئاً آخر في الأيام التالية، وسيموت جوعاً، فصبرٌ لأيام اخرج باقي الأرانب من جحورها.
لم يكن عقل النسر في بطنه، ولم يكن في غضبه، ولم يكن في جهله، ولم يكن في كرهه، ولم يكن في عاطفته، بل كان في صبره، فالعقل في الصبر.
والحمد لله رب العالمين

الخميس، 4 يناير 2018

كلمة سواء


نحتاج في حياتنا إلى إن نطلق العنان لروحية التعايش السلمي، ومن أجل إنجاح هذه الفكرة لابد لنا من أن نعطيها مساحة من أفعالنا وإظهاراها على إسلوبنا في التعامل مع الآخرين، وهناك نقطة مهمة في تحديد مسارات هذا التعايش السلمي، وهي أن نعطي لكل شخص مساحته من الحرية الفكرية، ولكن لابد من تأطير هذه المساحة وفق ضوابط.

ما هي الضوابط؟

علينا أن نجتمع على نقاط ونسميها كما هو الحال بالدستور، ومنه نتوسع إلى ما نسميه بالقوانين، هذا الدستور وهذه القوانين يجب على الجميع الالتزام بها وعدم مخالفتها، ومن يخالف فانه يعرض نفسه للعقوبة، وهنا لا يعتبر ذلك مصادرة لحقوق الأفراد، بل هو حماية للحقوق من الأفراط والتفريط في استخدام الحريات الشخصية والاجتماعية.
يقول تعالى ((تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ)).
وهذه هي الكلمة السواء التي سينمو معها التعايش السلمي في المجتمع، حيث سنقف مع كل المخالفين على نقاط لا مناص من قبولها، ورفع شعارات لا يمكن لأي مخالف ومتخالف أن يعترض عليها، كأن نقول (حب الوطن واجب مقدس)، أو أن نقول (لنحمي أبنائنا من خطر المخدرات)، وكذلك (حافظ على نظافة المكان لأنه ملك الجميع وأنت أحدهم) …
لسنا مضطرين إلى أن نستخدم عبارة تتقدمها يقول المرجع او الشيخ او الأستاذ او أي مسمى آخر، ولسنا أيضاً مضطرين إلى أن نتكلم باسم الدين أو القومية أو العشيرة، يكفي ان نذكر الثوابت التي تجمعنا في مناطق الاحتكاك مع الآخرين، فأنا لا أحب الغناء والاستماع له، والآخر وفقاً لدينه وفكره ومعتقده لا يجد في الغناء من بأس، ولكنه بالمقابل لا يحب البكاء والاستماع إلى اللطميات والاشعار الحزينة، في الوقت الذي انا احب الاستماع اليها واجدها تقربني الى الله، ليس من الضروري ان تكون المعادلة تحوي على طرف صحيح واخر خاطئ، وليست ايضاً الجنة حكراً لاحد، ولسنا أصحاب القرار في تجريم الآخرين.
التعايش السلمي يبدأ من تحديد تصرفات الآخرين وفقاً للكلمة السواء التي اجتمعنا عليها، فان كان تصرف الاخرين لا يتعدى على هذه الكلمة، فهم احرار في افعالهم وعلينا ان نحترمهم وان لا ننتقدهم ونجرح مشاعرهم، وأن نتقبلهم كشركاء لنا على هذه البسيطة.

لنحدد بعض الكلمات

أنا أحرم صنع التماثيل، وهو يحلل صنعها، وكلمتنا السواء في هذا الموضوع، لا بأس على أن تكون التماثيل محددة بضوابط لا تخدش الحياء ولا تثير الفتن ولا تتجاوز على الآخرين وتقلل من احترامهم.
أنا لا أعتقد بالأديان السماوية، وهو يعتقد بها، وكلمتنا السواء هي لا بأس بذلك على أن لا تحرض على فكري ولا أحرض على فكرك، وأنا أطرح دليلي وانت تطرح دليلك، وللعاقل الاختيار.
أنا اعتقد بأن الحقوق لا تأتي إلا باستخدام القوة والسلاح والقتل وإن كان عشوائياً، وهو يعتقد بأن الحقوق تأتي من خلال استخدام وسائل الضغط كالخطف والاستفزاز، وكلمتنا السواء هي، كلاكما باطل ولا نقبل رأيكما، فالحقوق تأتي من خلال القانون والتشريعات، لا من خلال القوة والقتل والاستهتار وتعريض الآخرين إلى التهلكة.
وهكذا الحال مع كل الخلافات والاختلافات فيما بيننا، علينا أن نصنع بيننا نقطة اتفاق ترضينا وترضي الاخرين، ولنشجع ونجتمع على كلمة سواء فيما بيننا ونتعايش سلمياً من أجل ضمان مستقبل سعيد وجميل لأجيالنا القادمة خالية من القتل والدمار والحروب والتنازعات.
والحمد لله رب العاملين