آخر الأخبار

السبت، 14 أبريل 2018

لا تعلّق املك في هرّ

طفولة قاسية 

شبَّ الولد وهو ما زال يتلقى التوبيخ يومياً من امه وابيه، ولم يعد يأبه للضرب والاهانة، لم يعجبه ان يكون حسن السيرة، بل كان كثير الحركة وشقي الى ابعد حد يمكن تصوره، اذاه تعدى بيته وأهله، بل وصل الى القرى الأخرى.
اعتاد ان يكمن للتجار والمسافرين العابرين بقريته للتسوق واخذ المؤنة، او الذين يبيتون اياماً بانتظار تحسّن الطقس ليكملوا مسيرتهم الطويلة، كان يسرقهم او يحرق حاجاتهم، ويمزق ملابسهم، ويتلف طعامهم وشرابهم، حتى انهم عرفوه من اسمه وسمعته، قبل ان يعرفوه على حقيقته.
كان اهل قريته يعفون عنه لأنه صغير وطائش، ولكنه لم يعد كذلك، فهو الآن كامل الاهلية، ولهذا أصبحوا يضيّقون عليه حتى حكموا عليه بالسجن، الا انه فرَ منهم وصعد الى اعلى الجبل، وهناك كانت القرية تبدو له بحجم الكف، وفي الليل كانت تجعل الوادي جميلاً، بمشاعل النار في طرقاتها المتعرجة.
شعر بالوحدة، كان يحاول ان يبعد تفكيره عن الشعور بالذنب، فوجد هرّاً صغيراً يمشي بين صخور الجبل الكبيرة، فالتقطه سريعاً، ورغم المقاومة الا انه لم يفلته، ومن لحظتها اعتبره امله وصديقه الذي لن يوبّخه ابداً، ومع صعوبة العيش على الجبل، الا انه كان مستأنساً بهرّه الصغير.
كان يلعب ويشارك الهرّ طعامه ومكان نومه، وهذا التعلق الكبير الذي حصل جعله يعود عن محاولته للندم على ما فعله في الماضي، فعاد الى ما كان عليه، ينزل الى القرية ويباغت حراسها، او يزحف بخفّة الى داخل اسوارها، ويعيث فيها فساداً، ومن بعد ذلك يهرب الى الجبل.
لكن قبل ذلك، لم نعلم من اين كان يأتي بالطعام والشراب ليستطيع العيش! في جبلٍ عالٍ لم يكن هناك من طعامٍ او زرعٍ او عينِ ماءٍ، لم يكن هناك لا فراش ولا غطاء ليقيهِ من برد الجبل الجاف، فكيف استطاع البقاء هناك طيلة تلك الفترة؟
عندما هرب كانت له آمال في امه، حيث لن تتركه في مثل حالته، وكذلك كان امله معلقاً بابيه، لأنه سيوصل الطعام والملابس اليه، ولو الى حدٍ قريبٍ من حافة الجبل، هكذا كان امله باهله بأنهم لن يخذلوه، لأنه يعلم في قرارة نفسه بأنهم يحبونه، وانه كان مسيئاً لهم وللآخرين.
مع كلِّ ذلك العطف الذي لاقاه من اهله، لكنه وبمجرد ان وجد هراً تائهاً، علّق امله به، ونسي كل الخير، او تناساه، وركّز على جانبٍ واحدٍ من حياته، ليُشعِرَ نفسه بانه مظلوم، وعليه ان ينتقم منهم، ورغم ان هرّه لا يجيد التكلم، ولا يجيد جلب الطعام ولا حتى المساعدة في انجاز المهام، ولكنه كان امل الشاب الهارب.

تلاشي الأمل  لدى الشاب

مطرت في ذلك الأسبوع كثيراً، ولكن في صباح يومٍ مظلم، حيث اجتمعت الغيوم وتكالبت على اشعة الشمس، ورمت بحملها الثقيل، وأعلنت عن غضبها بقوة، حتى امتلأ الوادي بالماء، وغرقت القرية، لم ينجو منها الا القليل، هربوا بعيداً الى قرى أخرى، ولم يبقى من القرية الّا الاطلال.
حينها كان الشاب جالساً على حافة الجبل، وهو يتفرج ويضحك، يتشمت باهله وقريته، يتكلم مع هرّه الخائف من صوت الرعد، ويمسح على رأسه تارة، ويشير اليه الى مناظر الدمار تارةً أخرى، كان الهرّ يهلع مع كل رعد وبرق، وكان الشاب يفرح حينما تضاء السماء، ليستطيع التفرج على ما يصيب اهله وقريته المنكوبة.
بعد أيام، لم يعد يجد له طعام، حيث لا قرية ولا اهل، وكان يبحث في اكوام الخربات، عن بقايا الاكل، وعندما عاد الى الجبل، وكان يحمل ما وجده من كسّار خبز، وشيءٍ من الخضراوات العفنة، لم يجد الهرّ، بحث عنه طيلة اليوم ولم يعثر عليه، الهرّ الجائع، لم يعد قادراً على الاستمرار في هذه الحياة الصعبة، لذلك قرر الرحيل.
وقف الشاب حينها، ينظر الى قريته، وينظر الى نفسه، وينظر الى امله الذي ذهب مع الهرّ، لم تعد هناك أي مشاعر واحاسيس تستطيع ان تترجم ما يفكر به، أصبح حينها فارغاً كعجلِ السامري، جسداً يخور، ظلّ واقفاً مدةً طويلةً، حتى أغشي عليه من التعب.
فكّر في ان يرحل الى احدى القرى القريبة، وبالفعل فعل ذلك، ولكنه وبمجرد ان يصل الى بوابة أيّ قرية يلاقى بالشتائم والطرد والرجم بالحجارة، انهم لا يذكرون منه الا كلّ شر، فلم يترك في قلوبهم الّا الألم والكره، لم يتأثروا بما آل اليه مصيره، ولم يحزنهم شكله ومظهره الذي يشبه المجنون، بملابسه الرثّة، وشعره الطويل العث، ورائحته النتنة.
وبعد ان يأس من الحياة، ومن المساعدة، وفقد قدرته على السير والتحرك، وقفت على رأسه امرأة تحمل ماءً وطعاماً، وقد جلبت له بعض الملابس والاغطية، وساعدته على الاكل والشرب، وقبل ان ترحل عنه، سألها “يا سيدتي، لماذا ساعدتني رغم أنّي شقي ولم اعمل خيراً في حياتي؟”
فأجابته “هكذا اوصتني أمك قبل ان تموت، إذا رأيتهِ منكسراً ومطروداً ولم يستقبله أحد، كوني له اماً، واهتمي به لأجلي”.
ندم حيث لا ينفع الندم، وغص في حسرته طويلاً، ولما عادت تلك المرأة لم تجده، ذهب ولم يُعرف عنه أي شيء بعدها ابداً، اختفى ببساطة، والوحدة والندم يأكل عقله كالأرضة.
لا تفقد الفرصة بالتسامح، لا تنسى المعروف، لا تعلّق املك في هرّ.

الاثنين، 19 مارس 2018

لقد كفرت بها

استقبال الإبن

كالعادة، عندما دخل الولد الى البيت، وبمجرد ان رمى الحقيبة ارضاً، سألته امه السؤال المعتاد، “كيف كان يومك؟”، هذا السؤال المستفز، والذي كان يسهل الإجابة عليه في كل الأيام، الا هذا اليوم، حيث لا مجال لصياغة الإجابة المنمقة، ولا تكون الإجابة الا بصرخة، “كان يومي اسود، اسود، اسود، كالإسفلت”.
الاب المتقاعد في كل مرة يسمع نفس الإجابة في نفس اليوم من كل أسبوع، ولكنه لا يحاول ان يتدخل بين الولد وأمه، ولكنه هذه المرة أحب ان يتدخل، لأنه رأى انفعالاً ليس على غرار الانفعالات الأخرى، كان انفعالاً جنونياً جداً، فتقدم الى ابنه وربت على كتفه بهدوء وقال له:
– ما بالك يا بني؟ اليوم انت على غير عادتك متوتر ٌ بشكلٍ ملحوظ، واجابتك كانت بصوتٍ مرتفعٍ، حتى إنك اخفت أمك.
سكت الولد وغادر المنزل بسرعة، لم يحاولا إيقافه، تركاه قليلاً، وبعد سويعات عاد من جديد، وفي جعبته إجابات كشجرة الصبار، مملوءة بالأشواك، كان يحملها على مضض، ولكنه شعر اخيراً بانه لابد له من البوح بها، فدخل الى صالة المنزل حيث وجد ابويه وأخيه الكبير، وهم يتفرجون الاخبار من على التلفاز، وقال:
– انا احتقرها، بل أكرهها، ولا أؤمن بها، انها كذبة تريدونني ان اقتنع بها، انها خدعة فقط حتى تستغلون بها الطلبة، وتستفيدون منها دروساً خصوصية، الكيمياء لا أصل لها ولا فصل.
كان النقاش بعدها يدور عن السبب الذي دعاه للتوصل الى هذه القناعة، حيث انه قد كفر صراحةً بالكيمياء، وبكل من يدعي علماً بها، او يرتبط اسمه بها، هو لم يعد يؤمن بشكل مطلق، ولا يمكن لأي دليل ان يغير من قناعاته.

سبب غضب الإبن

تبين ان السبب كان في مدرس المادة، حيث انه لا يعلمهم الكيمياء حسب المنهاج العلمي الصحيح، وانما اقتطع والّف وجمع كتيب جعله منهاج للطلبة، كان يميز بينهم لا على أساس التفوق، بل على المزاجية والانتماء، كان يعلمهم شيء ويمتحنهم في شيء آخر، وعندما حاولوا التواصل مع غيره، اظهر لهم وجهاً متوحشاً، فضلّوا في حيرة من امرهم، حيث الكيمياء مادة أساسية، ولكنهم لا يحبون دراستها.
وعندما جاءتهم الفرصة وجدوا ان هناك كيمياء تختلف عن كيمياء استاذهم، وان هناك أكثر من كيمياء، وكل واحدة تختلف عن الأخرى، وهنا زاد النفور منها، فأصبحوا لا يعرفون أي كيمياء هي الاصح، ولكونها أصبحت صعبة، كانوا لا ينجحون الا بالمدرس الخصوصي.
هنا شعروا بأنهم مستغلون من قبل أساتذة الكيمياء، وان باقي الأساتذة ساكتون لأنهم مستفيدون بالنتيجة، فتشارك المصالح قد جمعهم في جبهة واحدة، لهذا قرر الطلبة ان يكفروا بالكيمياء، جملةً وتفصيلاً.
تبسم الاب بعد ان عرف الأسباب، وهو ينظر الى ابنه الأكبر، الذي كان يدافع عن الكيمياء، بحماسٍ واندفاع، ويقول لأخيه الأصغر:
– لا تحكم على الكيمياء بسبب بعض المدرسين والأساتذة الذين عمتهم المادة وحب الذات، فاستغلوا مكانتهم ليكتسبوا من هذا العلم بعض المال بطرقٍ ملتوية، لا تكفر بالكيمياء، فهي علمٌ راقٍ، ولكن اكفر بمن يدّعون علماً بها وهم جاهلون، حاول ان تميز بين الكيمياء والكيميائيين والمتكميئين، وانظر من حولك ستجد ان الكيمياء حاضرة في حياتنا اليومية.

الكيمياء مظلومة مثل الدين

ابتسامة الاب الغريبة، جذبت انتباه ابنيه، فأحس الاب انهما يريدان ان يعرفا سر هذه الابتسامة الطويلة، كانت هذه الابتسامة سهماً موجهاً الى ابنه الأكبر، كانت رسالة خفية، ولكنها احتاجت الى بعض الكلمات ليفهمها بوضوح، فقال بصوتٍ هادئ وبسكونٍ تام:
– كذلك الدين يا بني، كالكيمياء، ليس له ذنب لتكفر به، فهو مظلوم كما ظُلمت الكيمياء.

والحمد لله رب العالمين

الاثنين، 5 مارس 2018

الحمامة

الحمامة والمسرح

خلف الكواليس وقفت على أحد اسلاك انارة المسرح حمامة رمادية، وكانت تشاهد مسرحية روميو وجولييت، وكلما تكلما عن الحب دارت رأسها يمينا وشمالا، وحركته للأعلى والاسفل، وكأنها ترفض مرة وتقبل اخرى، ولم تنتظر نهاية المسرحية فقد نامت قبل نهاية العرض، ولم تعرف ما آلت اليه قصتهما العاطفية المشوقة.
في اليوم التالي لفتت الموسيقى انتباهها فحطت على احدى الشجيرات قرب خيمة السيرك الكبيرة، كان عرضاً للدببة، لم تفهم الحمامة لماذا يصفق الجمهور كلما قفزت الدببة؟ العرض كان مملاً بالنسبة للحمامة، وكل ما فهمته، كانت الموسيقى الصاخبة، وعادت من جديد الى وضع رأسها تحت جناحها، لتأخذ غفوة أخرى دون ان تكمل مشاهدة باقي حيوانات السيرك وهي تؤدي عروضها.
طارت من جديد، وهي في كل مرة تمل من المشاهدة ولا تشعر بالاستمتاع، وتخلد للنوم، وكان أسرع مكان تنام فيه، عندما تستمع الى المعلم وهو يشرح مادة الكيمياء لطلبته، اذ انها تنام عميقاً ولا تستيقظ الا عندما يقرع جرس انتهاء الدرس.
كانت تحب الاستطلاع، ولا تتوقف عن مشاهدة الأشياء، ولكنها لم تتأثر في أي من الاحداث والعروض، كانت بالنسبة لها وقتاً ضائعاً، وكل شيء اشعرها بالنعاس فقط، كانت الى حدٍ ما حياتها مملة.

الحمامة والحرب

ايقظتها أصوات الانفجارات، وصفارة الإنذار، فتحت عينيها لترى عشرات الطائرات تحلق في السماء، كأنها طائر الرخ من قصة السندباد، والدخان يهرب من النيران الى عنان السماء، دفعها الفضول مرة أخرى لتذهب الى ارض الحدث، احبت ان ترى المشهد عن قرب، طارت نحو أطراف المدينة، حيث المدرسة، وجدتها بلا معلم، وبلا طلاب، كانت قد تحولت الى ثكنة عسكرية.
غادرت سريعاً لان المكان كان ساحة حرب حقيقية، والرصاص ينطلق بعشوائية، ولا يميز بين الأشياء والموجودات، فكرت ان تذهب الى السيرك، ولما وصلت الى هناك، كان كل ما تبقى منه بعض أعمدة الخيمة، وعليها آثار الحريق، ودبين واقفين عند مقصورة مهجورة للغجر الهاربين، وهم ينظرون الى رفاقهم من الدببة وباقي الحيوانات وهم مستلقين على الأرض وبلا حراك.
هلعت من المنظر، حلقت بعيداً نحو المسرح، ووجدت سكان المدينة، اجتمعوا في المسرح، وقد علقوا على النوافذ والابواب والسطوح، رايات بيضاء، وكأنهم يمثلون في مسرحية الحرب والسلام، او الحرب والاستسلام.
رغم لا مبالاتها المستمرة، الا انها لم تستطع النوم في ذلك اليوم، ولا حتى في تلك الليلة، كان صوت بكاء الأطفال والنساء، وصراخ رجالات الدفاع المدني، تؤرق نومها، عينيها ظلت مفتوحة لأيام، لم تتمنى ان تنام كما كانت تفعل من قبل، ولكنها تمنت انها لم تنم عندما كانت الحياة أجمل.

تمني الحمامة العودة بالزمن 

تمنت لروميو وجولييت العودة من جديد، حتى تكمل معهما قصة حبهما الأبدية، تمنت ان يعود الغجر لتستمتع بحركات الحيوانات في السيرك، تمنت ان تكمل درس الكيمياء لتتعرف على الاواصر ومعنى الفلزات واللافلزات، تمنت انها نامت بمقدار حاجتها، وإنها لم تستيقظ على صوت الحرب والموت.
الحياة قصيرة جداً حتى نهمل أجمل تفاصيلها، وجميلة لتستحق ان نعيش أفضل لحظاتها، وطويلة جداً حينما ننظر الى جانبها المظلم والحزين، علينا ان نكون في قمة نشاطنا حتى وان كنا في اسوء حالاتنا، الحياة مستمرة ونحن ايضاً علينا ان نستمر وان لا نكون كالحمامة، لكيلا نندم.
والحمد لله رب العالمين

الأربعاء، 28 فبراير 2018

الاختناق


صديقة الانسان الوفية

منذ الولادة، وهي الذراع الأول الذي يساعده على الحياة، كل شيء يتوقف معها، هي من تعطيه الحياة، هي نبع الصحة والحنان، ورغم مشقات الدنيا وما فيها من تحديات، الا انها لا تكل ولا تمل تدافع عنه بكل ما اوتيت من قوة، لتنهض به في كل مرة.
لم تمانع ان تكون عرضة للآفات، ولم تنهزم يوماً امام المتطفلين، كانت لا تقبل لاحد ان يغزو عزيزها الغير مبالي بها، رغم انها تسقط بقوة، الا انها لا تستسلم، ولا تقبل الا ان تكون في المقدمة.
تتذبذب كأنها أمواج البحر، مرة تصعد ومرة تنزل، مرة تتحرك سريعاً ومرة أخرى تسكن بهدوء، سرعتها تخيف، وسكونها مخيف ايضاً، اعتدنا ان نراها ولكننا لم نعتد ان نسمع صوتها، فهي لا تتكلم الا عندما تشعر بالمرض، ولا ترفع صوتها الا حينما ينال منها الغرباء.
تعمل بجد مع اخواتها واخوانها، لترضيه، فقط لترضيه، ولكنه عاقٌ الى ابعد الحدود، لا ينفك يعذبها رغم وفائها المطلق له، وهي مع معاناتها من هذا الجفاء والظلم، ولكنها لم تنسه وتحاول ان تخدم عائلتها حتى اخر نفس لها في الحياة.
هو ملعونٌ لأنه يجلب الغرباء المؤذين اليها، ملعونٌ لأنه لا يحترم من يحبه ويخلص له، يؤذيها بالنار، يحرق بشرتها الحساسة الرقيقة، يرميها في الاتربة ويطعمها الغبار، ومن اجل نزواته التافهة، يرخصها امام قطاع الطرق ومنتهكي الحرمات.
وهي تعاني الصعاب في الاستمرار، حيث لا مفر من الاغتصاب، وهي تقوم بعد كل مرة تحاول ان تنسى الألم، وتعيد نفسها بوفائها العجيب، لتخدم هذا المتنمر، انها رحمة الله التي لا نشكره عليها، ولا نعرف كيف نجازيها على اخلاصها لنا.

الرئة أمانة بجسم الانسان

لم أكن أتكلم عن الام، ولا عن الزوجة، ولا عن أي فردٍ في الاسرة، كنت أتكلم عن ذلك الجزء الحيوي في جسم الانسان، كنت أتكلم عن الرئة، التي هي من يبقي القلب ينبض، ليزود الجسم بالحياة والاستمرار.
ورغم انها مهمة الا اننا نعاملها بقسوة، بشربنا السكائر، واستنشاقنا للغبار والدخان، وتعاطينا للمخدرات، من الأولى بنا ان نرعى من يرعانا، لنعتبرها احدى افراد عائلتنا، ولنعتبر ما يضر بها هم اشخاص همجيون، ولنحاول ان لا ندخل عليها من يعتدي عليها ويسيء اليها ويؤذيها.
الرئة امانة وعلينا ان نصون هذه الأمانة، وعلينا ان نحميها قبل فوات الأوان، حيث الرقود الأخير في المستشفى، والشعور بالاختناق القاتل، اذ لا فرار من الامر المحتوم، موت بطيء ومؤلم، معاناة في الاستمرار على قيد الحياة، لا استغناء عن قنينة الاوكسجين، وقصور في أداء الوظائف الأخرى.

فالنداء، وان كان متكرراً ولكنه يبقى مهماً

، انه نداء موجه الى كل شخصي وفيّ، لا تؤذي من احبك وأخلص لك، ندائي الى كل شخص ضميره حي، لا تنم وانت ظالمٌ لمن لا يستحق الا الاحسان، ندائي الى كل من يشعر بالغيرة على حبيبته، لا تدعها بيد كل من هب ودب وتعرضها للمشقة والاعتداء، ندائي الى كل شخص مرهف الإحساس، كن لطيفاً مع رئتك فهي في خدمتك.
والحمد لله رب العالمين

الجمعة، 16 فبراير 2018

حلم يرتدي ملابس كابوس


أشعل شمعة، وامسك كوب الشاي، واهمَّ ان يجلب اليه كتاب الاقتصاد، ولكنه ارجع ظهره قليلاً قبل ان يمد يده الى الطاولة، شعر بانه بحاجة الى ان يجعل رأسه يتدلى من خلف الوسادة، مرت لحظات على ذلك، حينما طَرق أحدهم الباب عليه في منتصف الليل البارد.
فتح الباب، وجد طفلاً وضعوه في مهدٍ ممزق، ومعه حجرٌ ثمين، كان شكله غريب ومميز، ومعه رسالة في داخلها رسالة، وصرة اموال، كانت الرسالة تبث عطراً جميلاً، وكانت اوراقها مبللة بالدموع، ادخل الطفل واقترب من الشمعة، وقرأ الرسالة الاولى.

الرسالة الأولى

“شكراً لك على صنيعك مقدماً، وكل ما اتمناه ان ترعى ولدي، وتحتفظ بالحجرة الكريمة، وانا اعدك أنك لن تشعر بالفقر، فقط اهتم بابني حتى يبلغ العشرين عاماً، وسلمه الحجرة والرسالة الاخرى”

وهكذا مرت الأعوام، وهو يعيش في نعيم، كانت كلَ يومٍ تُرمى في غرفته صرة أموال، كانت تكفيه وتكفي الطفل، حتى بلغ الولد المجهول العشرين عاماً، وهنا سرد القصة لهذا الشاب، واعطاه الحجرة الثمينة، وسلمه الرسالة الاخرى، فلما قرأها قرر الرحيل بحثاً عن سر وجوده.
غاب اياماً واسابيع، حتى طُرق الباب مرةً أخرى في منتصف الليل، لقد كانت عربةً فخمةً جاءت لتأخذه، الى قصرٍ كبير، هناك وجد الشاب الذي رباه، لقد كان وريثاً لاحد الامراء، ابعدته امه عن الانظار حتى لا يقتل وتسرق ثروته الكبيرة.
اشترط الشاب على امه ان تبقيه الى قربه، حتى أتمنه على جميع اسراره وامواله، فتخلى الرجل عن غرفته الصغيرة، ذات الباب والشباك الواحد، لم تكن سوى خربة، وأصبح اليوم يسكن القصور، ويمتلك الأراضي والبيوت الفخمة والفاخرة بفضل تربيته لهذا المولود المبارك.

تحول المربي لعدو

لمعان الذهب، اغرى عيني صديقنا الفقير، وبعض حاشية الأمير الشاب كانوا يلعبون دور الشيطان الماكر، جمال احدى المقربات من الام، سلب عقله وتفكيره، وتحول من مربي فاضل، الى عدوٍ يحوك المؤامرات، ويدس السم بالعسل، كان قد أصبح عبداً مطيعاً لتلك الشقراء.
حتى ذات يوم وبعد ان سرق الكثير من الأموال، وصنع للشاب الأمير الكثير من المشاكل، واشعره بالحزن مراراً وتكراراً، وأفقده الامل، وجعله يرتكب الأخطاء ويطرد أقرب الناس اليه، ويشك ويظن بالآخرين سوءً، واوقعه في شرك الفتنة، ولكن شاءت الصدفة ان تفضح كل هذه الخطط.
سمع الشاب كل كلام مربيه مع تلك الشقراء الخبيثة، وعلم انه كان في مصيدتهما، لم يتمالك نفسه، شعر بالخنجر المسموم، لقد كان من أقرب الناس اليه، واكثرهم حباً الى قلبه، لكن كل شيءٍ جميل قد مات، فلم تعد الايام الجميلة في الغرفة الصغيرة تؤثر على قراره الذي سيتخذه.

كما جاء به في الليل، اخرجه من منزله بالليل، وكما جاء بلا أموال ولا أملاك، اخرجه ايضاً، صفر اليدين، لا يمتلك الا تلك الغرفة القديمة، عاد اليها خائباً قد خسر كل شيء، تعب العشرين عاماً من التربية، وقلب الشاب الذي تعلق به واعتبره مثل ابيه او أكثر.

عودة المربي فقيرا

وجد كل ما تركه في تلك الليلة في مكانه، أشعل الشمعة، ومسك كوب الشاي، واهم ان يجلب اليه كتاب الاقتصاد، ولكنه ارجع ظهره قليلاً قبل ان يمد يده الى الطاولة، شعر بانه بحاجة الى ان يجعل رأسه يتدلى من خلف الوسادة، لتمطر بغزارة ويستيقظ من غفوته على صوت الرعد، ليجد نفسه كان في حلمٍ اشبه بالكابوس.

وارتشف رشفة من كوب الشاي، وهو يفكر بالحلم، وأغمض عينيه قليلاً، وطُرق الباب، ومن ذا يطرق الباب على رجلٍ فقير يسكن غرفة ببابٍ وشباكٍ واحد في منتصف الليل البارد؟ فتح الباب فوجد طفلاً وضعوه في مهدٍ ممزق..

وتكررت القصة

من جديد، واستيقظ مرة أخرى على صوت الرعد، وهو نادمٌ على ما قد فعله في الحلم، وهكذا تكررت الاحداث، لم يتعلم من أحلامه ابداً، حتى كانت غفوته الأخيرة، حيث عاد الكرة، ولكن هذه المرة، كان الشاب قد ملَّ من تكرار نفس العقوبة معه، لذا قرر ان لا يعود بمربيه الى غرفته العفنة، بل ينقله الى مثواه الأخير، ليضعه في تابوتٍ خشبي، ويدفنه حياً، وينهي هذا الحلم الذي يرتدي ملابس الكابوس الى الابد.

الفرصة لا تعود مرتين الا لمن كان محظوظاً، لذلك استغل الفرصة، ان عادت اليك، صحح ما أخطأت به في تجربتك الأولى، اترك غرورك وعنادك، حاول ان تعيد الكرة دون ان يتلاعب بك الشيطان، حاول ان تصبح أفضل، حاول ان تكون الرابح إذا حالفك الحظ، وكن مع الله يكن الله معك.
والحمد لله رب العالمين