الابوين وادارة الاسرة

اعلان 780-90

الابوين وادارة الاسرة




ليس من الضروري ان تكون مختصاً بعلم الاجتماع او الإدارة او الحسابات من اجل ان تكون ناجحاً في إدارة عائلتك، فإدارة العائلة مبنية على اساسين أحدهما تجارب الاخرين، والأخر مبني على الفطرة الطبيعية لأي انسان. ولكن كلا هذين الاساسين يتأثر بتغييرات الزمن من تطور في العلاقات الاجتماعية والتعرف على طبائع وعادات تختلف عن العادات التي اعتاد المجتمع عليها،، والتأثر بالتطور العمراني والطبي والتكنلوجي وفي مختلف المجالات. هذه العوامل تؤثر بشكل ملحوظ على العائلة ولذلك على الاب والام وهما المسؤولين عن إدارة الأبناء ان يعيا مقدار المسؤولية في توفير الجو المناسب لأبنائهم للحفاظ عليهم من السقوط في هاوية الأخطاء والمشاكل التي احياناً يصعب معها إيجاد الحلول اذ انها تأتي بعد فوات الأوان، حيث لا ينفع الندم.
يتطلب منا الموضوع ان نقسم الحياة الاسرية الى أربعة مراحل وبالطبع سيتم بيان المؤثرات في كل مرحلة من المراحل وكيفية إنجاح الإدارة الاسرية فيها، وهذه المراحل هي:

المرحلة الأولى: مرحلة الطفولة

الأبناء لا يملكون لا حول ولا قوة، فهم 100% تحت سلطة الاب والام، (( وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَىٰ وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ)) وفي هذه المرحلة العمرية يبدأ الأبناء باكتساب الأساسيات من متطلبات العيش ضمن المجتمع، كاللغة ومعرفة الصح والخطأ، واكتساب الآداب العامة، وهنا يحتاج الأبناء الى جو خاص ومساحة من الحرية وعدم التقييد، لكونه في طبيعته ميال الى اكتشاف الأشياء، ولكون جسمه يتغير بشكل ملحوظ، فانه يكتشف جسمه من خلال الحركات البهلوانية والركض والمصارعة، وكذلك فانه تظهر عليه بوادر حب الامتلاك والغيرة من اقرانه، في هذه المرحلة العمرية يحتاج الطفل الى العناية وتحسيسه بأهميته في العائلة، فينصب الاهتمام به عاطفياً وفكرياً.
وروي عن الامام علي عليه السلام ((من قبّـل ولده كان له حسنه، ومن فرَّحه فرَّحه الله يوم القيامة))، ولا يقتصر الحيث بواقع الحال على التقبيل بحد ذاته، وانما البعد الاخر من التقبيل، فهو لا يكون الا من خلال وجود علاقة ورابطة إنسانية بين الاب وابنه، هذه الرابطة بالطبع ستجعله لا يعنفه الى درجة سلخ جلده، او تجعل من قدومه الى البيت بمنزلة هجوم بالقنبلة النووية، حيث يبحث الابن عن ملجأ يختبئ فيه من الضربات، ولا تجعله بخيلاً مع أبنائه.
هذه المرحلة تتطلب الإنسانية في التعامل مع الأبناء، وكل خلل في التعامل الإنساني سينعكس سلباً على شخصية الطفل عند بلوغه المرحلة الثانية من عمره. وهناك فارق كبير بين التربية والتأديب، ففي الطفولة الأبناء محتاجون الى التربية، وهذه التربية تعتمد اعتماداً كاملاً على الجوهر الإنساني، لان الطفل سيتعرف على نوعه من خلال ابويه، فان كانا يعاملانه بقوة وبغلاظة فانه سيتعرف على جانبه الحيواني، وبعكس ذلك فانه سيتعرف على جانبه الإنساني. يقول الامام علي عليه السلام ((إنما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته)).

المرحلة الثانية: مرحلة المراهقة

بعد ان اكتشف الطفل لجانبه الإنساني او الحيواني، والذي اعتمد على ابويه في هذا الاكتشاف، يصل الى مرحلة جديدة يظهر فيها قابلياته على التفكير والتمييز الاولي بين الأمور، فهو يصبح قادر على تقريب الصور مع بعضها وفهم الأمور التي تدور حوله بشكل اكبر، ومنها القدرة على تمييز فشل ونجاح الاب والام في علاقتهما الزوجية، وتمييز تعابير الوجه عند المحيطين به، ولكنه خلال هذه الفترة يكون غير قادر على الدخول الى عمق الأشياء لفهم الأسباب والمسببات، ولكنه يكتفي في فهم ما يريد فهمه، في الاغلب لا يعرف الأبناء ما يمر به الإباء من ضغوطات في الحياة، فهم في مثل هذا العمر يعتبرون من المستهلكين غير المنتجين، ولذلك فان الاب وبعد اثنى عشر سنة من الزواج، فان الظرف المعيشي تغير، مما جعل المتطلبات المادية اكثر واكبر، يتزامن مع ذلك ان الإباء لديهم اباء ايضاً، ومع التقدم في السن فان دورة الحياة تتطلب منهم الاهتمام بآبائهم، وهذا يزيد من الضغوطات النفسية والتي تظهر على تصرفاتهم.
على الابوين في هذه المرحلة العمرية لابنهما ان يغيرا من واقع الحال المؤثر عليهما سلباً الى مؤثر إيجابي ينصب في مصلحة ابنهما، وذلك من خلال الانتقال من مرحلة التربية الى مرحلة التأديب، والتأديب ليس كما نفهمه في وسطنا الاجتماعي من ضرب وتعنيف، انما التأديب هو تنظيم أفكار وتصرفات الأبناء لتصبح اساساً ايجابياً لهم في المستقبل.
كيف ننتقل من مرحلة التربية الى التأديب؟ ببساطة مرحلة التربية هي أوامر توجه للطفل بان يفعل او لا يفعل دون الحاجة الى التعمق في افهام الطفل بشكل علمي لماهية هذه الاوامر، فمنعه من اللعب بالكهرباء والركض في الشارع واللعب بالسكاكين وغيرها، هي أمور تربوية لا يمكن افهام نتائجها للطفل، والحال في منعه من الدخول الى بيوت الاخرين دون علمهم او اخذ السلع من المحلات او اختلاس النظر او التجسس على الاخرين، فقد نكتفي بقول كلمات ان هذا الفعل عيب او حرام، ولكن التأديب يتطلب ثلاثة أشياء ليكون ناجحاً وهي:
1التعليلعند تأديب الأبناء ومنعهم او تشجيعهم لفعل امر معين، يتطلب ذلك التعليل، وإعطاء السبب المقنع للفعل او ترك الفعل، فلو ادب الاب ابنه وقال له لا تشرب البيبسي، هناك العشرات من الاهل والجيران والأصدقاء يشربونه لماذا انا لا اشربه؟ على الاب ان يضع هذه العبارة في ذهنه لأنها ستراود ابنه، سواء نطق بها ام لم ينطق، فهي التحليل الطبيعي لأي مراهق، فهو يحتاج الى التعليل لمنعه من الفعل، وعلى الاب ان يضع بين يدي ابنه التعليل المناسب والمقنع لهذا المنع، والا فان كثرة الأوامر الغير معلله تنتج شكلاً من اشكال التمرد لا تحمد عقباه. ((وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ)).
2الموضوعية: يجب ان يكون التأديب موضوعياً، إضافة الى وجود التعليل، فلو نهى الاب ابنه عن  مشاهدة مباريات كرة القدم، وكان تعليله بان كرة القدم تخالف التعاليم الإسلامية، فان الابن بواقع حال الدول الإسلامية و على مختلف طوائفها فأنها تمتلك فرقاً وتشارك في بطولات كرة القدم، فالتعليل غير موضوعي، وبذلك فان الابن مع وجود مثل هذه التوجيهات التأديبية التي تعلل بشكل غير موضوعي، سيكون الخطاب معه بمثابة لقطة تمثيلية حيث يمثل الابن لأبيه بانه يستمع ولكنه يفعل عكس ما يقال له سراً، وبذلك فالتأديب لم يأتي بخير للأبناء وزاد الامر تعقيداً. ((وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا ۖ إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَن تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا)).
3عدم الازدواجية: يؤدب الاب ابنه على عدم شرب السكائر، ويعلل له ذلك بما تسببه السكائر من  امراض، ويظهر لدى الابن موضوعية الامر من خلال التجارب الموجودة في المجتمع وحقيقة ما تسببه السكائر من ضرر على صحة الانسان، ولكن كل ذلك ينتهي ويضمحل عندما يكون الاب مدخناً للسكائر، فعلى الاب ان يتجنب الازدواجية في تأديبه لابنه، وان لا يمنعه او ينصحه بفعل وهو يفعل عكسه، فالمصداقية ستنعدم بين الطرفين، وان انعدمت المصداقية انعدم كل شيء معها. ((أَتَأْمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ)).

المرحلة الثالثة: مرحلة البلوغ الأولى

انتقل الأبناء من مرحلة التربية، والتي على أساسها عرفوا نوعهم، وفيها تعلموا اساسيات الحياة ومتطلبات المجتمع وكيفية التعامل مع الاخرين، وانصقلت بعد ذلك من خلال تأديبهم لتعريفهم على حلو الحياة ومرها، ليستعدوا لخوض التجربة في مضمار الحياة التي لا تخلو من الصعوبة.
وهنا وعند بلوغ الأبناء حيث صاروا مميزين، ويعرفون الصح والخطأ، على الابوين ان ينتقلوا من مربين ومؤدبين الى مرحلة جديدة، وهي ان يكونوا أخوين وصديقين لأبنائهم.
لو فرضنا بلغة الأرقام ان الابوين اقترنا ببعضهما بعمر الثلاثين عاماً ورزقا بمولودهما الأول بهذا العمر، فان ابنهما البالغ اصبح بعمر العشرين عاماً، أي انهما اصبحا بعمر الخمسين عاماً، وهذه العشرون سنة هي فترة طويلة تغيرت خلالها الموضة ونوعية الملابس وحلاقة الشعر وظهر فيها من التطور التكنلوجي ما لم يكن موجوداً في زمانهما، وتغيرت حتى العبارات في اللغة الدارجة واندثرت أخرى، لذلك على الابوين بعد هذا العمر ان يلتفتا الى ضرورة مواكبة العصر، للتأقلم والاستفادة لنقل تجاربهما الى ابنائهما بشكل لا يتعارض والواقع الذي هم فيه، ولكي ينجح الامر فانهما بحاجة الى تغيير طريقة الحوار، فلم يعودا ابوين، فالأبناء بحاجة الى صديق يفهمهم، ويستطيع مجاراتهم، واذا لم يجد ذلك في بيته وعند ابويه فانه سيبحث عنه خارجاً، وهذا قد يسبب خطراً على أفكاره ومستقبله.
يمر الأبناء في عمر البلوغ بمرحلة نشاط التفكير، والبحث عن الأجوبة، وبعض هذه الأسئلة يصعب طرحها على الابوين، وخاصة عندما تتعلق بالجوانب الغريزية الحيوانية، وهناك تيارات فكرية تظهر بين الحين والأخر قد تؤثر على أفكار الأبناء، فهم يشعرون بالحاجة الملحة للحصول على الإجابات، ومن اجل ان ينجح الابوين في احتواء أبنائهم في هذه المرحلة العمرية، عليهما ان ينتقلا من ابوين الى صديقين.
الصديق شخص لا يوبخ، ولكنه ينصح، ويهتم، اعطيه اسراري ويعطيني اسراره، اجادله ويجادلني واتخاصم معه ويتخاصم معي، يرضيني وارضيه، الصديق مرآتي التي أرى نفسي فيها. فان انتقل الابوين الى هذا الدور، بمعنى الكلمة، فانهما سيكونان على مقدرة لفهم مشاكل ابنائهما، وحلها،

وهناك عدة نقاط عليهما الالتزام بها للنجاح وهي:

1المصداقية والابتعاد عن المثالية ورسم الحياة الوردية، فالأبناء بعد البلوغ بحاجة الى كلام واقعي وليس كلام قصص ومسلسلات تلفزيونية، وانجح طريقة لكسب الأبناء هي كشف الاسرار، فيبدأ مثلاً الاب بمجاراة ابنه، لمعرفة إذا ما كان يلاحق الطالبات، كصديق يتكلم مع صديقه، يشجعه على الكلام، من خلال كشف سره له وكيف كان يفعل ذلك، في سرد قصصي مشوق، وبعد ذلك يبين له ان الحالة غير صحية وغير صحيحة، وانه تركها ذاكراً له الأسباب المقنعة، هذه المحاورة التي تجري بدون أي توبيخ او تسلط، ستترك انطباعاً جيداً لدى الابن، فالمصداقية التي تحدث بها الاب وعدم اختبائه خلف المثاليات الزائفة، ستجعله يعيد النظر في الأمور دونما عناد، وستزيد في التقارب بين الاب وابنه وتزيل العقبات بينهما.
2المشاركة في الرأي، فالأبوين بحاجة الى صقل مواهب وأفكار أبنائهم من خلال اشراكهم في القرارات المصيرية والمهمة في داخل الاسرة، واخذ رأيهم فيما يتعلق بتصرفات الاخرين ومناقشتها، بل يتعدى الى معاملتهم كأشخاص بالغين وأصحاب تجربة، ولا ضرر في اخذ بعض آرائهم والعمل بها، وإظهار الثناء على اقوالهم وافعالهم، وبذلك سينتج عند الأبناء ردود فعل إيجابية، تساعدهم على عبور الحاجز مع ابائهم، وتقربهم إليهم أكثر، كونهم أصبحوا ذوي أهمية، ولكن وفي نفس الوقت على الابوين تصحيح الأفكار والآراء الخاطئة ومعرفة سبب إتيان أبنائهم لها، فالأبوين سيضربان عصفورين بحجرة واحدة، العصفور الأول هو إعطاء الأبناء الثقة بالنفس، والعصفور الثاني هو معرفة المؤثرات السلبية على تفكير أبنائهم ومعالجتها.(( فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَىٰ فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَىٰ)).
3الموعظة، وهي نقل التجارب الى الأبناء، ففي سنوات عمرهم المنقضية، مر الابوين بتجارب  متعددة وكثيرة ومختلفة، أظهرت لهم معادن الناس، وطبيعة البشر، وواقع لم يشاهدوه من قبل، ولعل ابائهم لم يمروا به ايضاً، ولعل بعض تجاربهم مرت عليهم بسلام بسبب نصائح ابائهم لهم، فالموعظة هي نقطة الانتقال الأخيرة للأبناء، من حماية الابوين، الى خوضهم الحياة لوحدهم، ونجاحهم مرهون بنجاح الابوين في بناء شخصياتهم وتعميق ثقتهم بأنفسهم وحمايتهم من الانجرار خلف التيارات الفاسدة. ((وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ))

المرحلة الرابعة: مرحلة البلوغ الثانية

انتهى دور الابوين في التربية والتأديب والصقل والموعظة لأبنائهم، وعليهم ان يكونوا لهم الملاذ الامن عندما يصطدموا بالواقع المرير، وعندما يتعرضوا للفشل في تجاربهم في المجتمع، وعلى الابوين ان يتركا الحوار بصيغة المعاتب، وان يتقدما بأبنائهم الى الامام بصيغة المشجع، وعليهما ان لا يغلقا الباب امام الأبناء، فمهما كبروا سيظل الابوين هما الخيمة ومركز الثقل والموازنة لحياتهم ومصدر السعادة لأحفادهم.
وقبل ان اختم المقال أحب ان انوه الى ان الموضوع كان يتناول جانباً واحداً من الاسرة، وهما الابوين وكيفية ادارتهما لأسرتهما، وكيف يتعاملان مع ابنائهما عبر مراحل عمرهم. اما الشذوذ في الاسرة والعقوق وقطع الرحم فهو موضوع اخر لا علاقة له بالمقال.
((وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً))
والحمد لله رب العالمين

اشترك في بريدنا الالكتروني لتتوصل باشعار فور نشر موضوع جديد

مواضيع ذات صلة

فتح التعليقات
إغلاق التعليقات

0 الرد على "الابوين وادارة الاسرة"

إرسال تعليق

اعلان اعلى المواضيع

اعلان وسط المواضيع 1

اعلان وسط المواضيع 2