هدف الرسالات السماوية

اعلان 780-90

هدف الرسالات السماوية


لماذا أرسل الله الأنبياء والرسل؟ ولماذا انزل الكتب السماوية والتي تكونت من خلالها الأديان؟

على كل مسلم ان يتفكر في هذه التساؤلات وان يجيب عنها بحيادية تامة، من خلال هذه الإجابات فان كل شخص سيصبح واعٍ للجوهر والاساس المراد تحققه من هذه الديانات.
ولنتمكن من الوقوف بشكل صحيح على الإجابات علينا اولاً ان نرسم مخططاً لكيفية الإجابة ومن اين نبدأ بها، ولتحقيق الفهم الصحيح علينا ان نضع بعض الأمثلة التي ستساعدنا على الوصول الى إجابات منطقية ومقنعة، ولكن ما سأتكلم عنه هو خطاب لمن يؤمن بوجود الله عز وجل، عن طريق مجموعة من الأمثلة وبعدها سأقدم المقصود منها وبشكل موجز ومختصر، متمنياً ان تكون واضحة ومفيدة.

المثال الأول:

لو أعطيت طيارة نفاثة، وقالوا لك طر بها وحط في مطار اخر وتزود بالوقود ومن ثم اجري لها الصيانة والادامة، فهل ستستطيع فعل ذلك من دون أي مساعدة؟
ان كنت طياراً ستجيب بنعم وان لم تكن طياراً فان الامر سيكون صعباً ومعقداً جداً، ولذلك فانت بحاجة الى من يعلمك، والذي سيعلمك هو شخص تم تدريبه على قيادتها وصيانتها وأصبح متمرساً عليها، ولكي يكون هناك ثوابت في التعليم كان لابد من وجود كراس تعليمي، وهذا الكراس يشرح التفاصيل بشكل عام، اما التفصيل الدقيق فانه سيعتمد على شرح المعلم.

نعود الى نفس السؤال ونقول بان هذه الطائرة النفاثة صنعت في عام 1990 فهل كراسها التعليمي يشابه الطائرة المصنعة في عام 2010؟
بالطبع لا، ولكن هل كل الكراس متغير ام هناك أمور ثابتة وهناك إضافات جديدة وامور تم الغائها لانتفاء الحاجة اليها؟
وكلنا نعلم ان الطائرة تعتمد على ظواهر ثابتة لا تتغير، ولكن ما يتم تغيره هو نوع الوقود وكيفية التزود به وشكل المقصورة وعدد الركاب والوزن والحمولة ونوع المعدن … الخ من الأمور التي لا تتغير الا بشكل تدريجي، وهذا التدريج يعطي للمعلمين والمتدربين فرصة لاكتساب العلم بسهولة أكبر.

المقصود:

الأرض وما فيها هي الطائرة، والانسان هومن سيقود هذه الطائرة او يركب فيها، اما من سيعلم الانسان عليها فهم الأنبياء والمرسلين، والكراس الذي سيعلمنا هو الكتب السماوية، والشروحات هي تعاليم الأنبياء وكلام الاوصياء. وبذلك يظهر ان الهدف الأول من الرسالات السماوية هو إعطاء الانسان صورة عن كيفية التعامل مع الدنيا وما فيها، موضحاً له الإيجابيات والسلبيات، وما عليه فعله وتركه، فان التزم نجى وان خالف هلك. كحال المريض الذي يتجرع مرارة الدواء ومشقة العلاج لا عن علم بتركيبة الدواء وكيفية عمله وانما لاعتقاده بان الطبيب هو اعلم بحالته منه وانه سيسلك به طريق الشفاء والعافية. وكذلك هو حال المهندس المدني والمعماري والميكانيكي والكهربائي والزراعي والمبرمج وغيرهم من أصحاب التخصص والاختصاص، فكل واحد منهم نلجأ اليه لكونه هو الاعلم في مجال عمله، فكيف الحال مع الله خالق الخلق وموجد الأشياء من العدم العالم الذي لا يعلم، فانه أولى باللجوء اليه واتباع أوامره لأنه الاعلم بحالنا منا.
الهدف الأول ان يعلم الأنبياء الناس على كيفية العيش على الأرض والاستفادة من خيراتها والحذر من اخطارها.

المثال الثاني:

احدى شركات السيارات المعروفة ارادت فتح ورش بيع وصيانة لسياراتها في عدة دول، وكانت خطوتها الأولى هي فتح باب التقديم للراغبين في العمل في هذه الوكالات الخاصة بها، ومن اجل تحقق الهدف من فتح باب التقديم فعليها ان تضع الشروط التي من خلالها ستعطي نتائج القبول والرفض للمتقدمين للعمل في وكالاتها، ولو تابعنا النتائج التي ستتكون من خلال الشروط، فإننا سنجد بان هناك أربعة نتائج طبيعية وهي:
1. قبول المتقدم للعمل بعد اجتياز الشروط والاختبارات بشكل مباشر.
2. قبول المتقدم بعد اجتياز الشروط والاختبارات ولكن مع بقائه تحت الاختبار والمراقبة.
3. رفض المتقدم ولكن ابقائه في الاحتياط بسبب ضعف نتائج اجتيازه للشروط الموضوعة والاختبارات.
4. رفض المتقدم بشكل نهائي وبلا إعادة نظر ووضعه في القائمة السوداء.
فما هي الشروط والاختبارات التي على الشركة وضعها للوصول الى النتائج الواردة أعلاه؟
نستطيع ان نقول بان الشروط هي: ان يكون المتقدم للعمل مؤمن بالشركة وموالي لها ولا يعمل مع منافسيها من الشركات الأخرى، وايضاً يجب ان يتحلى المتقدم بالأخلاقيات الجيدة وان لا يكون سارقاً او مفتعلاً للمشاكل، وان يكون مجد في عمله، وان يكون مجتهداً في تطوير ذاته، وان يكون محباً للعاملين معه بغض النظر عن انتماءاتهم، وان يكون مطيعاً للأوامر ولا يخالفها.
المقصود:
ان كنا نتفق مع سياسة الشركة وان هذا هو الوضع الطبيعي لإنجاح العمل، فان الله تعالى قد وضع الانسان في الأرض خليفة له، ومن ثم أرسل اليه الأنبياء والرسل من اجل اختيار من يستحق الارتقاء الى اخذ دوره في الوكالات حيث يرث الانسان الأرض، فالأنبياء هم حلقة الوصل بين الانسان وبين الخالق، وهم من يبلغ الشروط، وهم من يعطي نتائج الاختبار.
الهدف من كل ذلك هو تحقيق النجاح في حياة الانسان على هذه الأرض والارتقاء الى مستوى من المقبولية التي تجعله يفوز اخيراً برضى الله تعالى، فالإنسان الخلوق والمتفاني في عمله هو الناجح في هذه الاختبارات وبلا أدنى شك، ولكن ان كان ولائه وايمانه لغير الله عز وجل فانه لن ينال ورقة العبور وعليه اخذها ممن كان يعتقد به وبقدرته ان كان صنماً او ناراً او انساناً … الخ.
فدور الأنبياء هنا هو تهيئة الانسان وتعريفه بالطريقة التي تجعله ينجح، ويكونوا مبشرين للإنسان بالخير ان التزم بما ينجحه في الاختبارات الدنيوية، ومنذرين له بما سيكون عليه في حال فشله وعدم اكتراثه. فكلنا نتتبع المعلم والمدرس عندما يؤكد على امر ما اثناء درسه، فانه من تتبع كلامه بدقة سيكون قادراً على اجتياز الامتحان والاختبار بسهولة أكبر، ولكن من ضل واتبع هواه وترك اتباع معلمه ومدرسه فانه سيلاقي سوء فعله وعمله بعد الاختبار ليعض على انامله ندماً، حيث لا ينفع الندم.
الهدف الثاني هو ان يرجع الانسان الى الذي وهبه الحياة، واطاعته واجتناب معصيته، ليفوز برضاه وبما وعده إياه من الثواب. او ملاقاة شر اعماله في الحياة الاخرة.

المثال الثالث:

من لم يسمع بالمدارس العسكرية؟ التي يرسل اليها أبناء الملوك والامراء والقادة وعليَة القوم، والهدف منها الى جانب اكتساب العلوم والمعرفة، فالطالب الصغير يتعلم تحت ظروف من التدريب والشدة كيف يواجه صعوبات الحياة وكيف ينظم عمله ويومه دونما ملئ يومه بالفراغ، فيوم الطالب كله منفعة، هذه المدارس تخرج نماذجاً قادرة على إدارة الدول والشركات بحكمة ودراية وعلم ووعي، فالهدف منها اذاً هو إيجاد اشخاص يتحملون المسؤولية باحترافية.
المقصود:
الله سبحانه وتعالى، أرسل الأنبياء والرسل من اجل ان يقوموا بإرشاد بني ادم ليصبحوا بشراً، وان لا يكونوا كالأنعام، فالظروف التي تمر على الانسان هي لجعله يتدرب ويتدرج في ان يبقى انساناً سوياً، فلا يرتكب ما يجعله غير ذلك، فالإنسان ليس افعى وعليه ان لا يلدغ من يربيه، وهو ليس ضبعاً ليعض الايدي التي تمتد لمساعدته، وهو ليس ببغاءً لينعق مع كل ناعق، وهو ليس قطاً ليتملق ويسرق، بل عليه ان يكون الانسان الذي خلقه الله والذي فضله على سائر خلقه، انساناً رحيماً وصادقاً وشاكراً ولا يسرق ولا يزني ولا يؤذي جاره… الخ من صفات الانسان الطبيعي، لا الانسان البهيمي.
الهدف الثالث اذاً هو صناعة الانسان، وإعادة تأهيله إذا ما اتلف شخصيته وحولها الى شكل بهيمي.
ولعل هذه المهمة هي من أصعب المهام على الأنبياء، لأنها لا تتم الا من خلال تعريض الانسان الى السراء والضراء، وتحديد سلوكياته في كلا الامرين، حيث لا يخرج عن انسانيته.

المثال الرابع:

المعلم في المدارس الابتدائية، يذهب وقته ويبذل جهده من اجل ان يجعل الطالب قادر على القراءة والكتابة، ويكرر عليه جدول الضرب، حتى يصبح محفوظة كأي نشيد من تلك الأناشيد التي يرددها الأطفال في اثناء لعبهم، وبعد عشرات السنين نجد هؤلاء الأطفال قد أصبحوا أطباء ومهندسين ومدراء وعاملين وقد امتلأت الحياة بهم وبحركتهم، فهل ما قدمه المعلم من مجهود له الفضل عليهم ام ان هؤلاء الأطباء والمهندسين والمدراء والعاملين كانوا ليكونوا على ما هم عليه من دونه؟
لا بد ان نرجع الفضل الى المعلم الذي هو اول العطاء، والذي به قد تفتحت الاذهان، والذي من خلاله عرفنا كيف نشق طريقنا للتعلم، فضحكته وغضبه وابتسامته وسخطه وصوته الحنون وصوته عندما يتعب وصوته عندما يحزن وصوته عندما يفرح وصوته عندما يغضب، كل ذلك هو من اوصلنا الى ما نحن عليه الان، فلولا هذا الأساس من العلوم لما كنا قادرين على الخوض في غمار العلوم الأخرى ولما كنا قادرين على الوصول الى هذه القفزة التكنلوجية في كافة التخصصات.
المقصود:
الأنبياء كالمعلم، الهدف من رسالتهم هي وضع الانسان على السكة الصحيحة والتي تقوده الى النجاح، هدفهم هو تخريج الانسان من الجهل والظلمة الى النور والعلم، تخريج الانسان واكسابه العلوم الابتدائية والتي ستساعده للوصول الى العلوم المتشعبة.
الهدف الرابع هو تعليم الانسان اساسيات الحياة ليكون مستعداً لخوض تفاصيلها.
وهذه بنظري هي الاسباب الرئيسة من بعث الانبياء والرسل، ولعل فكري القاصر لم يستطع إدراك اسباباً اخرى ولكن تبقى هذه الاسباب هي الاكثر والاوضح والاشهر والتي من خلالها نعلم بان الله تعالى لم يوجدنا ليتركنا نتخبط في الحياة من دون توجيه ومن دون ارشاد وعناية، ولذلك فإننا وبسبب مخالفتنا له حصدنا نتائج الفشل على المستوى السياسي والاقتصادي والاجتماعي والصحي وغيرها من المستويات.
والحمد لله رب العالمين

اشترك في بريدنا الالكتروني لتتوصل باشعار فور نشر موضوع جديد

مواضيع ذات صلة

فتح التعليقات
إغلاق التعليقات

0 الرد على "هدف الرسالات السماوية"

إرسال تعليق

اعلان اعلى المواضيع

اعلان وسط المواضيع 1

اعلان وسط المواضيع 2